الشيخ محمد هادي معرفة

218

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وقال - في عرفه - : وقال ابن عبّاس : حدّ عرفة من الجبل المشرف على بطن عُرنة إلى جبالها إلى قصر آل مالك ووادي عرفة « 1 » . وقال - في تحديد جزيرة العرب - : وأحسن ما قيل في تحديدها ما ذكره أبو المنذر هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ مسندا إلى ابن عبّاس ، قال : اقتسمت العرب جزيرتها على خمسة أقسام . قال : وإنّما سمّيت بلاد العرب جزيرة ؛ لإحاطة الأنهار والبحار بها من جميع أقطارها وأطرافها ، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر « 2 » . إلى غيرها من موارد تدلّك على سعة معرفة ابن عبّاس بالأوضاع والأحوال التي تكتنفه ، شأن أيّ عالم ومحقّق خبير . وبعد فإنّ إحاطته باللغة وبالشعر القديم ، لتدلّك على قوّة ثقافته البالغة حدّا لم يصل إليه غيره ، ممّن كان في طرازه ذلك العهد ، الأمر الذي جعله بحقّ زعيم هذا الجانب من تفسير القرآن ، حتّى لقد قيل في شأنه : هو الذي أبدع الطريقة اللغويّة في التفسير « 3 » فضلًا عن كونه أبا للتفسير في جميع جوانبه ومجالاته . وبذلك كان قد كشف النقاب عن وجه كثير من آيات أحاطت بها هالة من الإبهام ، لولا معرفة سبب النزول . مثلًا نتساءل : ما هي العلاقة بين « ذكر اللّه وذكر الآباء » في قوله تعالى : « فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً » « 4 » والسياق وارد بشأن أحكام الحجّ ومناسكه ؟ وهنا يأتي ابن عبّاس ليوضّح من موضع هذه العلاقة . قال : « إنّ العرب كانوا عند الفراغ من حجّتهم بعد أيّام التشريق ، يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ، ويذكر كلّ واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ، ويتناشدون فيها الأشعار ، ويتكلّمون

--> ( 1 ) - . المصدر نفسه ، ج 4 ، ص 104 . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ج 2 ، ص 137 . ( 3 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 1 ، ص 75 ( مذاهب التفسير الاسلاميّ لجولد تسيهر ، ص 69 ) . وراجع : مذاهب التفسير الإسلامي ، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجّار ، ص 90 . ( 4 ) - . البقرة 200 : 2 .